محمد طاهر الكردي

160

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ولما كان هؤلاء السعداء لابد لهم من تعليمهم وإرشادهم ، فقد اختار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم المذكور هنا للاجتماع بهم ، وكانت هذه الدار بأول الصفا ، وسنتكلم عنها إن شاء اللّه تعالى . الجهر بالدعوة مكث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعو سرا إلى عبادة اللّه تعالى في أول الأمر ، ولا يظهر الدعوة في مجامع قريش ، حتى نزل عليه قوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فعندئذ جهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالدعوة ، فصعد على الصفا وجعل ينادي : يا بنى فهر يا بني عدى لبطون قريش ، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج بنفسه أرسل رسولا لينظر له الخبر ، فجاء أبو لهب بن عبد المطلب وغيره من قريش ، فقال عليه الصلاة والسلام : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي . قالوا : نعم ما جربنا عليك كذبا . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فقال أبو لهب : تبا لك ، ألهذا جمعتنا ، فأنزل اللّه تعالى في شأنه : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ إلى آخر السورة . ثم نزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قوله تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وهم ( بنو هاشم ، وبنو المطلب ، وبنو نوفل ، وبنو عبد شمس أولاد عبد مناف ) فجمعهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقال لهم : إن الرائد لا يكذب أهله ، واللّه لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم ، واللّه الذي لا إله إلا هو إني لرسول اللّه إليكم خاصة وإلى الناس كافة ، ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا ، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا . فتكلم القوم كلاما لينا غير عمه أبي لهب فإنه قال : خذوا على يديه قبل أن تجتمع عليه العرب ، فإن سلمتموه إذا ذللتم ، وإن منعتموه قتلتم ، فقال أبو طالب : واللّه لنمنعه ما بقينا . ثم انصرف الجمع . وبسبب الجهر بالدعوة لقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من قريش أذى كثيرا ، وكان بعض هذا الأذى سببا في إسلام عمه حمزة بن عبد المطلب ، فكان يناصر المسلمين ويشتد على أعداء الدين . فلما ازداد الأذى من المشركين بسبب الدعوة ، أذن اللّه تعالى لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة المنورة ، بعد أن مكث بمكة ثلاثة عشر سنة يدعو إلى اللّه